Lattakia governorate — landscape, heritage and agricultural plains

Volume IX · 7 فصلًا

اللاذقية

مجلد مرجعي كامل عن اللاذقية: الجغرافيا والساحل المتوسطي والجبال الساحلية، والمناخ والزراعة والتقسيم الإداري، والتاريخ من أوغاريت إلى العصور الرومانية والإسلامية والعثمانية والحديثة، ومدينة اللاذقية وجبلة والحفة والقرداحة وصلنفة وكسب، والآثار من رأس شمرا إلى قلعة صلاح الدين، والبحر والغابات والأودية والمحميات، والمجتمع واللهجات والموسيقى والمطبخ، والسياحة عبر الفصول.

الفصل 01

الجغرافيا والتاريخ والهوية

1.1الموقع والتضاريس والبحر

تقع محافظة اللاذقية في أقصى شمال غرب سوريا، وتمتد على ساحل البحر الأبيض المتوسط، يحدها البحر غربًا، ومحافظة طرطوس جنوبًا، ومحافظتا إدلب وحماة من الجهات الداخلية، بينما تصل شمالًا إلى الحدود السورية التركية، وقد جعل هذا الموقع المحافظة حلقة اتصال بين الساحل السوري وشمال بلاد الشام والداخل السوري، ومنح مرافئها وممراتها الجبلية أهمية تاريخية تتجاوز حدودها المحلية، ويفسر الموقع جزءًا كبيرًا من تاريخ المحافظة، فالمدن الساحلية لم تكن معزولة عن البحر، والقرى الجبلية لم تكن معزولة عن المدن، بل كانت المنتجات والأخشاب والمحاصيل تنتقل من الداخل نحو الساحل، بينما تدخل عبر المرافئ سلع وأفكار وأشخاص قادمون من مناطق أخرى من المتوسط، وهكذا تشكلت علاقة دائمة بين البحر والداخل، يمثل البحر الحد الغربي للمحافظة، لكنه تاريخيًا كان طريقًا أكثر منه حاجزًا، عبره ارتبط الساحل بقبرص والأناضول ومصر ومناطق بحر إيجة وغيرها من مراكز شرق المتوسط، وتكشف أوغاريت بصورة خاصة مدى قدم هذه الشبكات، إذ ارتبطت المملكة في العصر البرونزي بقوى وممالك متعددة، ووصلتها المعادن والمنسوجات والزيوت والمواد الفاخرة، بينما خرجت من مرافئها منتجات زراعية وحرفية، ولهذا فإن البحر ليس مجرد عنصر طبيعي في هوية اللاذقية، إنه جزء من تاريخها الاقتصادي والثقافي والسياسي، يمتد الساحل في غرب المحافظة، وتتنوع تضاريسه بين الشواطئ والخلجان والرؤوس الصخرية والمرافئ ومصبات المجاري المائية، وعلى هذا الشريط تطورت مدينة اللاذقية ومناطق ساحلية أخرى، كما نشأت مرافئ ومستوطنات منذ العصور القديمة، ولا تتساوى طبيعة الساحل في جميع مناطقه، فهناك شواطئ أكثر انفتاحًا، ومواضع صخرية، وخلجان صغيرة، ومناطق تقترب فيها التلال والغابات من البحر، وقد سمحت هذه البيئة بزراعة أنواع متعددة من الأشجار والمحاصيل، الحمضيات والزيتون والتبغ والتفاح والرمان والعنب ضمن المنتجات المرتبطة ببيئات المحافظة المختلفة، وتصبح الأراضي الساحلية أكثر من مجرد منطقة زراعية عندما ننظر إليها تاريخيًا، فهي التي وفرت جزءًا من الغذاء للمدن والمرافئ، ومن خلالها مرت الطرق التي تربط المدن الساحلية بعضها ببعض، لا تنتقل الأرض من الساحل إلى الجبال بصورة مفاجئة في جميع المناطق، هناك نطاقات من التلال والبساتين والقرى تشكل منطقة انتقالية بين السهل والمرتفعات، وهذه التلال من أكثر البيئات ارتباطًا بزراعة الزيتون والأشجار المثمرة والقرى الريفية، كما ساعدت التضاريس على ظهور أنماط استيطان تختلف عن المدينة الساحلية وعن القرية الجبلية المرتفعة، كلما اتجهنا شرقًا ترتفع الأرض تدريجيًا نحو سلسلة الجبال الساحلية، وتصف هذه المناطق بالغابات الكثيفة والأودية العميقة وكثرة الينابيع، وقد لعب الجبل عدة أدوار في تاريخ المحافظة، كان مصدرًا للماء، ومصدرًا للأخشاب، ومكانًا للزراعة، وموطنًا للقرى، ومجالًا للرعي، وطريقًا نحو الداخل، وفي بعض الفترات كان كذلك مجالًا للتحصين والدفاع، ولهذا نجد مواقع مثل قلعة صلاح الدين مرتبطة بصورة مباشرة بالممرات الجبلية التي تصل الساحل بالمناطق الداخلية، تعد اللاذقية من المحافظات السورية الغنية بالغطاء النباتي، غابات الصنوبر والسنديان وأشجار الغار، إلى جانب الينابيع والأودية والأراضي الزراعية والشواطئ والمحميات الطبيعية، وتزداد كثافة الغابات في أجزاء من المرتفعات الشمالية والشرقية، وترتبط مناطق مثل كسب وصلنفة والحفة والريف الجبلي بهذه الصورة الخضراء للمحافظة، لكن الغابة ليست مجرد مقصد سياحي، فهي نظام بيئي ومورد تاريخي ومجال للحياة الريفية، كما ارتبطت الأخشاب تاريخيًا بالبناء والحرف والنشاط البحري، شق الماء عبر الجبال والتلال شبكة من الأودية التي أسهمت في تشكيل التضاريس، وتتحول بعض الأودية في الشتاء ومواسم الأمطار إلى مجارٍ مائية أكثر نشاطًا، بينما تحتفظ مناطق أخرى بالينابيع والجداول، كما لعبت الأودية دورًا في تحديد الطرق الطبيعية بين الساحل والمرتفعات، وفي المناطق المحصنة أصبحت التضاريس الوعرة جزءًا من الدفاع الطبيعي، تسمح الأمطار والتكوينات الجبلية بظهور عدد كبير من الينابيع، وقد شكل الماء عاملًا أساسيًا في اختيار مواقع القرى والبساتين، فالقرية تحتاج إلى ماء للشرب، والبستان يحتاج إلى الري، والحيوان يحتاج إلى مورد دائم أو موسمي، ولهذا يمكن قراءة توزيع عدد كبير من التجمعات الجبلية من خلال علاقتها بالماء.

1.2المناخ والبيئات الطبيعية

يسود المحافظة بصورة عامة مناخ متوسطي، يتميز الساحل بصيف دافئ ورطب وشتاء معتدل كثير الأمطار، بينما تصبح البرودة أكثر وضوحًا في المرتفعات، وقد تتساقط الثلوج أحيانًا على القمم العالية، لكن عبارة «مناخ اللاذقية» تخفي اختلافات محلية مهمة، فالمناخ الساحلي ليس مطابقًا لمناخ صلنفة، والمنطقة القريبة من البحر تختلف عن القمم المرتفعة، والرطوبة والحرارة والأمطار تتغير مع الارتفاع والاتجاه والتضاريس، يتميز بتأثير البحر المباشر، تكون الرطوبة مرتفعة نسبيًا، والشتاء أكثر اعتدالًا من المناطق الداخلية السورية، أما الصيف فيجمع الحرارة بالرطوبة، وقد ساعد هذا المناخ على نجاح زراعة الحمضيات ومحاصيل أخرى تحتاج إلى ظروف ساحلية مناسبة، كلما ارتفعنا تقل درجات الحرارة، وتزداد فرص الضباب والأمطار والبرد والثلج في المواقع الأعلى، ولهذا تحولت مناطق مثل صلنفة وكسب إلى مصايف معروفة، إذ توفر درجات حرارة أكثر اعتدالًا خلال الصيف مقارنة بالساحل، تتميز صلنفة بالغابات والضباب والهواء البارد والإطلالات الجبلية، بينما تتميز كسب بالغابات والارتفاع والمناخ الأبرد نسبيًا، يمثل المطر أحد أهم العوامل التي تفسر خضرة المحافظة، يسهم في تغذية الينابيع، ونمو الغابات، وزراعة الأشجار، وتجدد المجاري المائية، لكن المطر يعني أيضًا أن العلاقة مع الطبيعة تتغير خلال السنة، فالطريق الجبلي الذي يكون سهلًا صيفًا قد يصبح أكثر صعوبة شتاءً، والنهر أو الجدول قد يتغير تدفقه، والغابة تتغير ألوانها وكثافتها، ليست اللاذقية محافظة ساحلية دافئة فقط، في المرتفعات يمكن أن تتساقط الثلوج خلال بعض فترات الشتاء، وهذه واحدة من الصور التي تختصر التنوع الجغرافي الاستثنائي للمحافظة: يمكن أن يكون البحر على مسافة غير بعيدة، بينما تغطي الثلوج قممًا ومناطق جبلية في الداخل.

1.3الزراعة والسكان والتقسيم الإداري

أنتج التنوع الطبيعي تنوعًا زراعيًا، فالساحل والسهول والتلال والجبال لا تنتج المحاصيل نفسها بالطريقة نفسها، المناخ المعتدل والأمطار والتربة وكثرة الينابيع وتنوع التضاريس أسهمت في جعل الزراعة عنصرًا أساسيًا في اقتصاد المحافظة، لكن الزراعة هنا جزء من الهوية أيضًا، فالبستان يحدد شكل القرية، والموسم يحدد العمل، والمحصول يدخل في الطعام، والمنتج يصل إلى السوق، وهكذا ترتبط الجغرافيا بالمجتمع، أصبحت الحمضيات من أكثر المنتجات ارتباطًا بالساحل السوري الحديث، وتناسبها المناطق الساحلية ذات الشتاء المعتدل والرطوبة والمياه، وتنتشر البساتين في أجزاء من السهل الساحلي والمناطق المحيطة بالمدن والقرى، ولا تمثل الحمضيات مجرد محصول، فهي جزء من المشهد البصري للريف الساحلي ومن الاقتصاد الأسري والزراعي، يمتد الزيتون في مساحات واسعة من التلال والمرتفعات والأراضي الزراعية، وقدرته على التكيف مع البيئة المتوسطية جعلته من الأشجار التاريخية في المنطقة، ويرتبط الزيتون بالطعام والزيت والمؤونة والعمل الموسمي، كما ترتبط به معاصر وأسواق وخبرات زراعية متوارثة، التبغ ضمن المحاصيل المهمة في المحافظة، وقد ارتبط تاريخيًا بجزء من الاقتصاد الزراعي في مناطق ريفية، وأصبح من المحاصيل التي شكلت مواسم العمل والدخل لدى عدد من الأسر، تسمح فروق الارتفاع بزراعة أنواع متعددة من الأشجار، فما يناسب الساحل قد يختلف عما يناسب الجبل، التفاح والرمان والعنب إلى جانب الزيتون والحمضيات، وهذا التنوع أحد نتائج الانتقال السريع من البحر إلى المرتفعات، يتوزع السكان بين مدينة اللاذقية والمدن والبلدات الساحلية والمراكز الجبلية والقرى، تتنوع المدينة اجتماعياً وثقافياً ودينياً كما حصلت تغيرات ديموغرافية خلال العقود الأخيرة مرتبطة بالهجرة والتعليم والتحولات الاقتصادية، هذا وتختلف الكثافة السكانية بوضوح بين مدينة اللاذقية الكبرى والقرى الصغيرة المنتشرة على سفوح الجبال، وهذا التوزع يخلق أنماطًا متعددة من الحياة، هناك حياة الميناء، وحياة المدينة، وحياة الصياد، وحياة المزارع، وحياة القرية الجبلية، وحياة المصيف، وكلها تدخل في الهوية العامة للمحافظة، أربع مناطق إدارية رئيسية: منطقة اللاذقية، منطقة جبلة، منطقة الحفة، ومنطقة القرداحة، وتتبع لها نواحٍ وبلدات وقرى متعددة تختلف في طبيعتها العمرانية والاجتماعية والاقتصادية، فالحدود الطبيعية والثقافية أحيانًا أكثر فائدة للزائر والباحث من الحدود الإدارية.

1.4المراكز الرئيسية وعلاقة المدينة بالريف

هي العاصمة الإدارية وأكبر تجمع حضري في المحافظة، وتجمع الميناء والكورنيش والأسواق والجامعات والمؤسسات الثقافية والمتاحف والحدائق والأحياء القديمة والحديثة، كما تمثل نقطة انطلاق رئيسية نحو أجزاء المحافظة الأخرى، تقع جنوب مدينة اللاذقية على الساحل، وتجمع بين البحر والأراضي الزراعية والمدينة التاريخية، ويعد المسرح الروماني أبرز معالمها الأثرية، تاريخ جبلة أقدم من المرحلة الرومانية وأنها مرت بمراحل كنعانية وفينيقية وهلنستية ورومانية وبيزنطية وإسلامية ووسطى، وتتميز جبلة بأنها مدينة ما تزال الحياة المعاصرة مستمرة حول طبقاتها التاريخية، تقع عند الانتقال نحو الجبال والغابات، وهي بوابة طبيعية إلى قلعة صلاح الدين والغابات والينابيع والقرى المرتفعة، وموقعها يشرح جزءًا من أهميتها التاريخية؛ فمن يسيطر على الممرات الجبلية يستطيع مراقبة الحركة بين الساحل والداخل، تقع ضمن المرتفعات الشرقية للمحافظة، وتحيط بها بساتين الزيتون والغابات والأراضي الزراعية والقرى الجبلية، وتقدم بيئتها مثالًا على الانتقال من الساحل الحضري إلى الداخل الزراعي والجبل، تقع في أقصى شمال المحافظة قرب الحدود التركية، وتتميز بالغابات والارتفاع والطابع الجبلي والتنوع النباتي والمناخ الأكثر برودة نسبيًا، تمثل أحد أشهر المصايف الجبلية في المحافظة، الغابة والضباب والهواء البارد والإطلالات هي العناصر الأساسية في صورتها، كما تشكل نقطة مناسبة لفهم تاريخ المصايف وتطور العلاقة بين المدينة والسياحة الجبلية، لم تكن المدن والقرى عالمين منفصلين، فالمدينة تحتاج إلى منتجات الريف، والقرية تحتاج إلى السوق والخدمات والميناء، وكانت الأخشاب والمحاصيل والمنتجات الزراعية تصل من الجبال والقرى إلى الساحل، بينما تنتقل من المدن الأدوات والمواد المصنعة والسلع القادمة عبر التجارة، وفي العصور الهلنستية والرومانية مثلًا ازدادت أهمية الطرق بين الساحل والداخل، واعتمدت القرى على الأسواق الساحلية لتصريف الإنتاج، وهذه العلاقة استمرت بأشكال مختلفة حتى العصر الحديث.

1.5البدايات البشرية وأوغاريت

وفرت السهول الساحلية والأنهار والينابيع والكهوف والمرتفعات المحمية ظروفًا ملائمة للاستقرار البشري منذ فترات مبكرة، اعتمد السكان الأوائل على الصيد وجمع النباتات والثمار، ثم تطورت الزراعة وتدجين الحيوانات والاستقرار في تجمعات أكثر ثباتًا، وكانت البيئة غنية بما يحتاجه الإنسان: الماء، الأسماك، الأخشاب، الحجر، والأرض الزراعية، كما سمحت الممرات الطبيعية بالتبادل بين الساحل والداخل قبل ظهور المدن الكبرى، مع استقرار الإنسان ظهرت زراعة الحبوب وتربية الأغنام والماعز وصناعة الأدوات الحجرية والفخار، وأصبحت المجتمعات أكثر تنظيمًا، وتوزيع الماء، وتبادل المنتجات، وتنظيم العمل، شهد العصر البرونزي تحولًا كبيرًا، ظهرت مراكز حضرية تمتلك مؤسسات سياسية ودينية واقتصادية، واتسعت التجارة البحرية، وأصبح الساحل جزءًا من شبكة تصل مصر وقبرص والأناضول وبلاد الرافدين ومناطق بحر إيجة، وفي هذا السياق برزت أوغاريت، تقع أطلال أوغاريت في رأس شمرا شمال مدينة اللاذقية، وتكشف التنقيبات عن مدينة متطورة تضم القصور والمعابد والأحياء السكنية والورش والمدافن وشبكات تصريف المياه ومكتبات الألواح الطينية، لكن أوغاريت لم تكن مدينة منعزلة، كانت مركز مملكة تعتمد على الزراعة والصناعة والتجارة والبحر، وكان نفوذها يشمل مناطق وقرى مرتبطة بها اقتصاديًا وسياسيًا، تكمن إحدى أهم ميزات أوغاريت في الكم الكبير من النصوص المكتشفة، فالألواح تتناول موضوعات متعددة: التجارة، القانون، الضرائب، الدبلوماسية، الزراعة، الدين، الأساطير، والمراسلات الملكية، ولهذا يستطيع الباحث أن يقترب من تفاصيل مجتمع العصر البرونزي بطريقة لا توفرها المباني وحدها، ترتبط أوغاريت بواحد من أقدم أنظمة الكتابة الأبجدية المعروفة، وهذا هو السبب الذي يجعل أهمية الموقع تتجاوز تاريخ سوريا المحلي إلى تاريخ الكتابة والحضارة الإنسانية، فالمدينة تقدم كذلك معلومات عن الاقتصاد والدين والعمارة والعلاقات الدولية والحياة اليومية، كانت التجارة البحرية عنصرًا أساسيًا في قوة المملكة، فالساحل جعلها جزءًا من عالم شرق المتوسط، ومن خلال المرافئ تحركت السلع والمواد والأشخاص والأفكار، وهكذا يظهر منذ العصر البرونزي النمط الذي سيتكرر في تاريخ اللاذقية: مدينة على الساحل ترتبط بريف زراعي من جهة، وبعالم البحر من جهة أخرى، تعرضت مدن شرق المتوسط في نهاية العصر البرونزي لتحولات واضطرابات واسعة أدت إلى انهيار عدد من الممالك والمراكز، وكانت أوغاريت من بينها، لكن سقوط المملكة لم يعنِ انتهاء الاستيطان على الساحل، استمرت المجتمعات والمدن والقرى في أشكال مختلفة خلال العصور اللاحقة، وهذه الاستمرارية واحدة من أهم سمات تاريخ المحافظة.

1.6العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية

بعد العصر البرونزي استمرت المنطقة جزءًا من شبكات الساحل الشرقي للمتوسط، وتغيرت القوى السياسية والثقافية، لكن البحر والزراعة والطرق حافظت على أهميتها، هناك طبقات جديدة، لكنها كثيرًا ما تبنى فوق طرق ومدن وموارد استخدمتها مجتمعات أقدم، بعد توسعات الإسكندر الأكبر دخل الساحل مرحلة جديدة من التأثير الهلنستي، وبعد وفاته أصبح جزءًا من الصراع بين الدول التي أسسها خلفاؤه، ولا سيما البطالمة والسلوقيين، قبل أن يستقر غالبًا ضمن المجال السلوقي الأصلية، وفي هذه المرحلة برزت مدينة اللاذقية بصورة جديدة، مدينة اللاذقية أنشئت أو أعيد تنظيمها في العصر السلوقي بوصفها مدينة ساحلية مخططة تحمل خصائص المدن الهلنستية من حيث الشوارع والمؤسسات والميناء والمعابد والأسواق، وأصبحت جزءًا من شبكة مدن تربط الساحل بالداخل السوري والأناضول، وكان الميناء أحد محركات نموها، لم تؤدِ الثقافة اليونانية إلى اختفاء المجتمع المحلي، فقد جمع المجتمع بين السكان المحليين وعناصر يونانية ومقدونية وجماعات مرتبطة بالتجارة والإدارة والجيش، ظهرت اليونانية في الإدارة والنقوش، بينما استمرت اللغات والعادات المحلية، ونتج عن ذلك مجتمع يحمل عناصر ثقافية متعددة بدل ثقافة واحدة خالصة، دخلت المنطقة تحت السيطرة الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد، وأصبحت اللاذقية جزءًا من شبكة سياسية واقتصادية واسعة، شهدت المدينة والساحل نشاطًا عمرانيًا وتجاريًا، وربطت الطرق اللاذقية بأنطاكية شمالًا وجبلة جنوبًا والمناطق الداخلية شرقًا، وكان الطريق وسيلة لنقل: البضائع، المحاصيل، الجنود، والمسافرين، توسعت المدينة وأقيمت فيها منشآت عامة، وتشير بقايا العمارة الرومانية إلى تنظيم حضري كان يعتمد على الشوارع والمباني العامة والحمامات والمعابد والأقواس وغيرها، شهدت جبلة بدورها ازدهارًا مهمًا في العصر الروماني، ويبقى مسرحها الأثري أبرز شاهد على هذه المرحلة، فالمسرح لم يكن مجرد مكان للترفيه، بل مؤسسة مدنية تعكس حجم المدينة وقدرتها على بناء منشآت عامة كبيرة، وكانت جبلة مرتبطة بريفها الزراعي وبالساحل وبالطريق الذي يصل مدن المنطقة، اعتمد اقتصاد المحافظة على مزيج من التجارة البحرية والزراعة وإنتاج الزيت والكرمة والحبوب وتربية الحيوانات وصناعة الفخار وصيد الأسماك والحرف المعدنية والخشبية، وكان الميناء يسمح بتصدير المنتجات واستيراد السلع، بينما تنقل الطرق إنتاج القرى والجبال إلى المدن الساحلية، وهذا التنوع الاقتصادي سيستمر بأشكال مختلفة في تاريخ المحافظة اللاحق، بدأت المسيحية بالانتشار في الساحل السوري خلال القرون الأولى للميلاد، ثم أصبحت أكثر حضورًا مع تحولها إلى دين معترف به ثم مهيمن داخل الإمبراطورية، ظهرت الكنائس والجماعات والأسقفيات، وتحولت بعض المدن إلى مراكز دينية، كما لعبت الأديرة أدوارًا تتجاوز العبادة، شملت التعليم والزراعة وحفظ الكتب وخدمة المسافرين والفقراء، وانتشرت منشآت دينية ومجتمعات رهبانية في بعض المناطق الجبلية والريفية، استمرت المدن الساحلية في العصر البيزنطي، بينما شهدت الجبال انتشار القرى والمزارع والمنشآت الدينية والتحصينات، ساعدت المياه والمناخ والأراضي الزراعية على استمرار الاستيطان، وفي الوقت نفسه زادت الأهمية الدفاعية للممرات الجبلية مع الصراع على الساحل، وتذكر مادة الحفة انتشار القرى والمزارع والمنشآت الدينية والتحصينات في جبال الساحل خلال هذه المرحلة.

1.7العصور الإسلامية والوسطى والقلاع

مع دخول الساحل ضمن الدول الإسلامية بدأت مرحلة جديدة، لكن الحياة الزراعية والريفية لم تتوقف، استمرت القرى في إنتاج الحبوب والزيتون والفواكه وتربية المواشي، بينما اكتسبت الطرق والتحصينات الجبلية أهمية عسكرية وإدارية متزايدة، وتغيرت السيطرة على الساحل أكثر من مرة نتيجة موقعه المواجه للبحر وقربه من مناطق الصراع، جعل البحر المدن الساحلية معرضة للتجارة والاتصال، لكنه جعلها كذلك عرضة للهجمات والصراعات البحرية، ولهذا اكتسبت القلاع والتحصينات والمواقع المرتفعة أهمية كبيرة، ولم يعد الجبل مجرد مصدر للماء والخشب، أصبح أيضًا خطًا دفاعيًا ومجالًا للسيطرة على الطرق، تنتشر في المحافظة مواقع دفاعية ارتبطت بالممرات بين الساحل والداخل، ومن أشهرها قلعة صلاح الدين قرب الحفة، وموقع القلعة فوق منطقة وعرة يوضح كيف استخدمت التضاريس نفسها كجزء من الدفاع، فالسيطرة عليها كانت تعني مراقبة الطرق القادمة من اللاذقية والممرات الجبلية والسهول الساحلية والقرى المحيطة، شهد الساحل والجبال صراعًا بين قوى متعددة، من بينها القوى الإسلامية والبيزنطية والصليبية، وأصبحت القلاع والممرات نقاطًا استراتيجية، لكن خلف التاريخ العسكري استمرت الحياة اليومية، كان الفلاح يزرع، والقرية تنتج، والسوق يعمل، والطريق ينقل السلع، بدأ الموقع بوظائف دفاعية أقدم، ثم أصبح حصنًا صليبيًا مهمًا قبل أن يفتحه صلاح الدين سنة 1188 الأصلية، واستمر استخدامه وتطويره في الفترات اللاحقة، وتجمع القلعة بين التاريخ العسكري والهندسة والطبيعة، فالأودية العميقة والصخور والممرات جزء من بنيتها الدفاعية مثلها مثل الجدران والأبراج، بعد تراجع الوجود الصليبي استمرت المنطقة ضمن الدولة المملوكية، وحافظت المرافئ والطرق والقلاع على أهميتها بدرجات مختلفة، كما استمرت الزراعة والحرف والقرى بوصفها الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاقتصادية اليومية.

1.8العصر العثماني والقرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى

دخلت المنطقة ضمن الدولة العثمانية وبقيت تحت حكمها حتى الحرب العالمية الأولى، وخلال هذه الفترة استمرت المدن الساحلية والقرى الجبلية في أداء أدوارها الزراعية والتجارية، بينما تغيرت الأنظمة الإدارية وشبكات التجارة مع مرور الزمن، ولم تكن حياة السكان ثابتة طوال القرون العثمانية؛ فقد شهدت المنطقة تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة، بقي البحر عنصرًا رئيسيًا، فالمنتجات الزراعية والحرفية تحتاج إلى أسواق، والمدن تحتاج إلى سلع لا تنتج محليًا، ومع تطور الملاحة والتجارة تغير حجم المرافئ وأهميتها، لكن وظيفة الساحل كبوابة للتبادل لم تختفِ، استمرت القرية بوصفها وحدة أساسية للإنتاج، الزيتون، الحبوب، الأشجار، الحيوانات، والمنتجات المحلية، وكانت العلاقات بين القرية والسوق ضرورية لتصريف الفائض والحصول على الأدوات والسلع، شهدت المنطقة، مثل بقية بلاد الشام، تغيرات متزايدة مع توسع التجارة الدولية وتحسن بعض وسائل النقل وتغير الإدارة العثمانية، وبدأت المدن الساحلية تدخل بصورة أوسع في اقتصاد المتوسط الحديث، كما تغيرت العلاقات بين المراكز الحضرية والريف، أثرت الحرب العالمية الأولى بشدة في محافظة اللاذقية كما أثرت في بقية بلاد الشام، التجنيد ونقص الغذاء وتعطل التجارة وانتشار الأمراض وارتفاع الأسعار، إضافة إلى تراجع الملاحة والقيود العسكرية ومصادرة بعض المحاصيل والحيوانات وصعوبة النقل في القرى، وتركت المجاعة والهجرة وفقدان أفراد الأسر أثرًا عميقًا في الذاكرة الشعبية، مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية دخلت المنطقة مرحلة انتقال سياسي، لم يكن المستقبل السياسي للساحل واضحًا، وأصبحت بلاد الشام ساحة لمشروعات وقوى محلية وإقليمية ودولية متنافسة، ثم بدأ عهد الانتداب الفرنسي.

1.9الانتداب والدولة السورية الحديثة والتحولات الاجتماعية

شهد الساحل خلال الانتداب ترتيبات إدارية وسياسية متغيرة، وفُصل في بعض المراحل ضمن كيان إداري خاص عن أجزاء أخرى من سوريا وتركت هذه المرحلة أثرًا في الإدارة والسياسة والمجتمع، كما استمر تطور المدن والطرق والمؤسسات والتعليم، مع تشكل الدولة السورية الحديثة دخلت المحافظة مرحلة جديدة من الاندماج السياسي والإداري والاقتصادي، وتوسعت مدينة اللاذقية بصورة كبيرة خلال القرن العشرين، وظهرت أحياء جديدة وتطور الميناء، وأصبحت المدينة مركزًا إداريًا واقتصاديًا وجامعيًا رئيسيًا، وهذه التحولات غيرت شكل المدينة وعلاقتها بالريف، لم تعد المدينة محصورة في نسيجها التاريخي، امتدت الأحياء الحديثة، وتطورت مناطق تجارية وسكنية وخدمية، وأصبح الميناء جزءًا من اقتصاد وطني أكبر، واندمجت بعض المناطق والقرى الصغيرة تدريجيًا ضمن النسيج الحضري المتوسع، يمثل الميناء استمرارًا معاصرًا لوظيفة قديمة جدًا، فالمراكب تغيرت، والبضائع تغيرت، والتقنيات تغيرت، لكن الوظيفة الجغرافية بقيت: ربط الداخل السوري بالبحر، ولهذا فإن تاريخ الميناء الحديث لا ينفصل تمامًا عن تاريخ مرافئ الساحل القديمة، ساهم انتشار المدارس والتعليم العالي في تغيير المجتمع، وأصبحت مدينة اللاذقية مركزًا جامعيًا وتعليميًا، وأدى التعليم إلى زيادة الحركة بين القرية والمدينة، وإلى ظهور مهن جديدة لا تعتمد مباشرة على الزراعة أو البحر، شهدت المحافظة أشكالًا متعددة من الهجرة، من القرية إلى المدينة، ومن المحافظة إلى مناطق أخرى، ومن سوريا إلى الخارج، وفي المقابل استقبلت المدينة والريف سكانًا قادمين من مناطق مختلفة في مراحل متعددة، ولهذا لا يمكن فهم المجتمع المعاصر باعتباره استمرارًا ساكنًا للمجتمع القديم، نشأت تغيرات سكانية مرتبطة بالهجرة الداخلية والخارجية والتعليم والاقتصاد، وقد أثرت هذه التحولات في: حجم المدن، شكل الأسرة، أنماط العمل، القرى، اللهجات، والعلاقة بالأرض.

1.10استمرارية المكان والاقتصاد والهوية

من أهم الأفكار التي تظهر عند قراءة تاريخ اللاذقية أن تغير السلطة لم يكن يعني في كل مرة اختفاء السكان والقرى والزراعة، استمرار القرى والزراعة والمرافئ والطرق مع تكيف المجتمع المحلي مع القوى السياسية والاقتصادية الجديدة، وهذا يجعل تاريخ المحافظة تاريخًا للاستمرار بقدر ما هو تاريخ للتغير، الحضارات تتغير، لكن البحر يبقى، والجبل يبقى، وممرات الأودية تبقى، ومواقع الينابيع تبقى إلى حد كبير، والأرض الزراعية تستمر في فرض منطقها، ولهذا تعود القوى المتعاقبة إلى استخدام مواقع متشابهة، المرفأ يبقى مهمًا لأنه مرفأ، والقلعة تقام على المرتفع لأنه يتحكم بالطريق، والقرية تظهر قرب الماء لأنها تحتاج إليه، من الصعب العثور على جانب من تاريخ المحافظة لا يظهر فيه البحر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أوغاريت كان طريق التجارة الدولية، وفي العصور الهلنستية ساعد الميناء على نمو المدينة، وفي العصر الروماني نقل السلع، وفي العصور اللاحقة بقي مجالًا للتجارة والصراع، وفي العصر الحديث أصبح الميناء جزءًا رئيسيًا من اقتصاد المحافظة وسوريا، إذا كان البحر يفتح المحافظة نحو الخارج، فإن الجبل يربطها بالداخل ويحمي مواردها، من الجبل تأتي المياه والأخشاب وبعض المحاصيل، وفي الجبل نشأت القرى، وعلى ممراته أقيمت القلاع، وفي العصر الحديث تحولت أجزاء منه إلى مصايف ومقاصد طبيعية، الزراعة هي الرابط بين الجغرافيا والمجتمع، فالحمضيات تعكس الساحل، والزيتون يعكس التلال والبيئة المتوسطية، والتفاح وبعض الأشجار يعكس المرتفعات، والغابة توفر منتجات وموارد مختلفة، ولهذا فإن خريطة المحاصيل هي في جانب منها خريطة للتضاريس والمناخ، منذ أوغاريت وحتى الميناء الحديث، يظهر التبادل التجاري كعنصر متكرر، إعتمد اقتصاد العصر الأوغاريتي على التجارة البحرية وتصدير الأخشاب والزيت والمنتجات الزراعية وغيرها، ثم توسعت الأسواق والحرف في العصور الإسلامية وتطورت الموانئ والزراعة التجارية والصناعات الغذائية في العصر الحديث، وبذلك توجد استمرارية في الوظيفة، حتى عندما تختلف السلع والنظم الاقتصادية، لا تعني الهوية الساحلية العيش قرب الشاطئ فقط، إنها مجموعة من العلاقات: مع البحر، والرطوبة، والصيد، والميناء، والزراعة، والطعام، والتجارة، وحتى طريقة بناء بعض المناطق، وتظهر بصورة أوضح في مدينة اللاذقية وجبلة والقرى الساحلية، في الجبل تتغير الحياة، المسافة، الارتفاع، الطقس، نوع المحصول، شكل القرية، والعلاقة بالطريق، وتظهر بيئات مختلفة في الحفة وكسب وصلنفة والقرداحة والقرى المحيطة بها، لكن الجبل لا يعيش بعيدًا عن الساحل، فالعلاقة الاقتصادية والاجتماعية بينهما قديمة، يضم الريف مزارعين وأصحاب بساتين ومربي حيوانات وحرفيين وعاملين ينتقلون بين القرية والمدينة، وقد تغيرت هذه الهوية مع التعليم والطرق والسيارات والهجرة والعمل الحديث، لكن الأرض والموسم ما زالا عنصرين مهمين في كثير من المناطق، تتركز بصورة خاصة في مدينة اللاذقية وجبلة، وتتشكل من: السوق، الميناء، الحي، الجامعة، الوظيفة، المقهى، الكورنيش، المؤسسة الثقافية، والحياة التجارية، وهي هوية حديثة وقديمة في الوقت نفسه، لأن المدينة المعاصرة مبنية فوق تاريخ حضري طويل، تتميز المحافظة بأنها ذات تنوع اجتماعي وثقافي وديني يعكس تاريخها الطويل، الأهم هو فهم كيف عاشت المجتمعات داخل جغرافيا مشتركة، استخدمت الأسواق نفسها، والطرق نفسها، والأرض نفسها، والمدن نفسها، وتبادلت المنتجات والعادات والمفردات، أدى الاختلاف بين الساحل والجبال والقرى والمدن إلى ظهور فروق محلية في الكلام، صراحة أن تنوع التضاريس انعكس حتى على اللهجات المحلية، لكن اللهجات تغيرت مع التعليم والإعلام والهجرة والحركة اليومية، يعكس المطبخ الساحلي والجَبلي ما توفره البيئة، السمك مرتبط بالبحر، والزيتون بالأرض، والخضراوات بالبساتين، والأعشاب بالريف، والمنتجات الحيوانية بالقرى، لكن المطبخ ليس نسخة ثابتة من الماضي، بل يتغير باستمرار مع الأسواق والهجرة والذوق الحديث، تختلف العمارة بحسب البيئة، في المدينة تظهر المباني الحضرية والأسواق والأحياء، في القرية تظهر علاقة البيت بالأرض، وفي الجبل تؤثر التضاريس والمواد المحلية والطقس في البناء، أما القلاع فتستخدم الصخر والارتفاع بوصفهما جزءًا من الدفاع، وهكذا يمكن قراءة الجغرافيا في شكل المبنى، الطريق عنصر أساسي لكنه غالبًا غير مرئي في كتب التاريخ، من دون الطرق لا تصل الأخشاب إلى المرفأ، ولا يصل المحصول إلى السوق، ولا يتحرك الجيش نحو القلعة، ولا تنتقل العائلة بين القرية والمدينة، المرفأ هو الوجه البحري للطريق، إنه المكان الذي تتحول فيه حركة البر إلى حركة بحر، ومن أوغاريت القديمة إلى ميناء اللاذقية الحديث تغير شكل المرفأ جذريًا، لكن وظيفته الأساسية بقيت ربط المنطقة بالعالم الخارجي، السوق هو نقطة التقاء البحر والجبل والريف والمدينة، يصل إليه السمك من الساحل، والزيت والخضار والفاكهة من الريف، والسلع عبر التجارة، والناس من الأحياء والقرى، ولهذا فإن دراسة السوق تساعد على فهم المجتمع أكثر مما قد توحي به بساطة المكان، كانت الغابات موردًا، لكنها أيضًا بيئة حياة، خشب، نبات، مرعى، ماء، وظل، ومكان للقرى، وفي العصر الحديث أصبحت كذلك مقصدًا للزيارة والسياحة، وهذا التحول من «مورد» إلى «مورد ومقصد» يحتاج إلى إدارة تحافظ على البيئة، يمثل ظهور المصايف مثل صلنفة وكسب مرحلة حديثة نسبيًا في علاقة السكان بالجبل، فالجبل الذي كان بيئة عمل واستقرار أصبح كذلك مكانًا يقصده سكان المدن هربًا من حر الصيف ورطوبة الساحل، وهكذا ظهر اقتصاد جديد قائم على الإقامة والخدمات والمطاعم والحركة الموسمية، حدث تحول مشابه على الساحل، فالشاطئ لم يعد فقط مساحة للصيد والمرفأ والعمل، أصبح كذلك مساحة للترفيه والسباحة والسياحة، ومع هذا الاستخدام الجديد ظهرت منشآت وخدمات وتغيرت بعض أجزاء الساحل، لا يقل أهمية عن التراث الأثري، الغابة القديمة، الوادي، النبع، الرأس الصخري، الشاطئ، والنظام البحري، كلها عناصر تستحق الحماية والتوثيق، فالخسارة البيئية قد تكون غير قابلة للعكس مثل خسارة موقع أثري، تملك المحافظة مواقع تختصر مراحل مختلفة من تاريخها، ويحدد مجموعة أساسية تساعد على قراءة هذا التاريخ: أوغاريت للعصر البرونزي والكتابة والتجارة الدولية، رأس ابن هانئ للمرافئ والقصور الساحلية، مدينة اللاذقية للاستمرارية الحضرية من العصر الهلنستي والروماني حتى العصر الحديث، جبلة للمدينة الساحلية القديمة والمسرح الروماني، قلعة صلاح الدين لتاريخ التحصينات والصراع على الجبال، الحفة للعلاقة بين البلدة والقلعة والطرق الجبلية، وكسب وصلنفة للتاريخ البيئي والريفي والسياحي للمرتفعات.

مدن هذه المحافظة